ابن كثير

155

البداية والنهاية

الدين بن عبد الحق الحنفي إلى مصر ليلي القضاء بها بعد ابن الحريري ، فخرج مسافرا إليها ، ودخل مصر في خامس عشرين جمادى الأولى ، واجتمع بالسلطان فولاه القضاء وأكرمه وخلع عليه وأعطاه بغلة بزناري ، وحكم بالمدرسة الصالحية بحضرة القضاة والحجاب ، ورسم له بجميع جهات ابن الحريري . وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق والدواة والقلم ، ومنع من الكتب والمطالعة ، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة . قال البرزالي : وكانت نحو ستين مجلدا ، وأربع عشرة ربطة كراريس ، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفوقوها بينهم ، وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقي ابن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم ، فطلع الأخنائي إلى السلطان وشكاه ، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك وكان ما كان ، كما ذكرنا . وفي أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي في الدست ، مكان أخيه جمال الدين توقيرا لخاطره عن المباشرة ، وأن يكون معلومه على قضاء العساكر والوكالة ، وخلع عليهما بذلك . وفي يوم الثلاثاء ثالث عشرين رجب رسم للأئمة الثلاثة الحنفي والمالكي والحنبلي بالصلاة في الحائط القبلي من الأموي ، فعين المحراب الجديد الذي بين الزيادة والمقصورة للامام الحنفي ، وعين محراب الصحابة للمالكي وعين محراب مقصورة الخضر الذي كان يصلي فيه المالكي للحنبلي ، وعوض إمام محراب الصحابة بالكلاسة ، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم ، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي وكانا بين الأعمدة ، فنقلت تلك المحاريب ، وعوضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي واستقر الامر كذلك . وفي العشرين من شعبان مسك الأمير تمرتاش بن جوبان الذي أتى هاربا إلى السلطان الناصر بمصر وجماعة من أصحابه ، وحبسوا بقلعة مصر ، فلما كان ثاني ( 1 ) شوال أظهر موته ، يقال إنه قتله السلطان وأرسل رأسه إلى أبي سعيد صاحب العراق ابن خربندا ملك التتار . وفي يوم الاثنين ثاني شوال خرج الركب الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن شمس الدين

--> ( 1 ) في مختصر أخبار البشر 4 / 99 : رابع شوال . وعن سبب قتله قال : أن أبا سعيد كاتب السلطان في أمر تمرتاش بحكم الصلح ، إلى جانب أن السلطان قد بلغه عنه انه أخذ أموال أهل بلاد الروم وظلمهم الظلم الفاحش ، وحضور أباجي رسول أبي سعيد فبالغ في طلب تمرتاش فاقتضت المصلحة إعدامه ، فأعدم بحضور أباجي ( وانظر السلوك 2 / 292 النجوم الزاهرة 9 / 272 ) .